تظاهرة جوبا تضامناً مع تظاهرات مدن السودان

 إنطلقت في يوم الجمعة الماضي، تظاهرة هادرة في شوارع جوبا منددة بالرئيس عمر البشير و نظامه الآيل للسقوط. و قد عبرت هتافات المتظاهرين عن تضامنهم مع شعب السودان و الذي عانى كثيراً من شظف العيش نتيجة للإنهيار الإقتصادي المتفاقم. فمن أول وهلة، ظننت أن التظاهرة هي لتأييد النظام السوداني خاصة أن هناك علاقات وثيقة، و البعض يعتبرها مصيرية، تربط النظامين في الخرطوم و جوبا. و بتدقيق النظر وإرهاف السمع، تبين لي أن جل المتظاهرين كانوا من لاجئي السودان مع مشاركة أقلية من مواطني جنوب السودان. و بغض النظر عن حجم المشاركة من قبل مواطني جنوب السودان، فإن مجرد حدوث ذلك يحمل الكثير من المعاني الرمزية. أبرز تلك المعاني هي أن الشعبين في خندق واحد في مواجهة بطش النظامين الفاشلين. ١

ما حدث يطرح جملة تساؤلات نابعة عن الضبابية التي تشوب موقف حكومة جنوب السودان تجاه التظاهرات العارمة التي عمت جميع أرجاء السودان. لقد أعلن الرئيس سالفا كير في الأسبوع الماضي وقوفه مع الرئيس عمر البشير في محنته الجارية. و لكن السماح للاجئي السودان بقيادة بعض عناصر المعارضة في السودان بأن يجوبوا شوارع جوبا في تظاهرات صاخبة لا يستقيم مع الموقف الرسمي بمساندة حكومة البشير.  ففي نفس الشهر من عام ٢٠١٢ قتلت قوات حكومة كير خمسة و عشرين (٢٥) مواطناً رمياً بالرصاص في مدينة واو خلال مشاركتهم في تظاهرة سلمية ضد قرار نقل رئاسة محلية واو إلى بقاري. حكومة جوبا لا تعطي التصريح  بإقامة  التجمعات أو التظاهرات إلا لمؤيديها حيث أنها تطبق قوانين حالة الطواريء المفروضة على البلاد منذ خمسة سنوات. فهل إعطاء الضوء الأخضر للتظاهرة هو إدراك لواقع أن سفينة البشير قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الغرق، و أنه قد آن الآوان لفتح قنوات تواصل مع المعارضة في السودان و التي حتماً سترث الحكم؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه إنكشاف لحقيقة أنه لم يحدث تغيير حقيقي في سياسة حكومة كير تجاه حركات المعارضة السودانية الموجودة في أراضي جنوب السودان، و أن وعد كير بطرد تلك الحركات ما هو إلا خدعة؟ الإحتمال الثالث هو أن الأمر يندرج تحت ما عهدنا من النظام من سياسات تتسم بالتخبط و عدم وضوح الرؤية. ١

الإنهيار السريع للإقتصاد السوداني فاجأ الكثيرين من المراقبين مما يعنى أن نظام الرئيس عمر البشير كان يعكس للعالم صورة مغايرة تماماً لحقيقة هذا الإقتصاد. لعمري لم أرى أو اسمع من قبل عن إضطرار مواطن للنوم داخل بنك حفظاً لمكانه في الصف حتى يتسنى له سحب حر ماله. و رغم تكبده للمشاق، لا يسمح له بسحب المبلغ الذي يرغبه من نقوده المودعة في البنك. و المفارقة الكبرى هو أن الرئيس البشير كان قد قال للملأ خلال الإحتفال بإتفاقية الخرطوم للسلام  بأن إقتصاد جنوب السودان منهار. و قد إسترسل في الحديث عن الحالة الإقتصادية السيئة عند جاره الجنوبي كمن يملك إقتصاداً يعتد به. فهل إقتصاد حكومة حزب المؤتمر الوطني بأحسن حالاً من إقتصاد حكومة حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان؟ و الجدير بالذكر، أن تظاهرة جوبا قد كشفت للملأ بأن إستضافة اللاجئين ليست حكراً على السودان كما تروجه حكومة البشير للحصول على المساعدات الدولية. جنوب السودان  تحتضن و تستضيف علي أراضيها عشرات الآلاف من لاجئي السودان. يحدث هذا في صمت و دون تطبيل لأنهم قبل كل شيء أخوة لنا يربطنا بهم صلات دم و رحم. ١

لقد أقحم البشير حكومته في عملية السلام في جنوب السودان بطريقة فجة بمساعدة زملائه في منظمة الإيقاد. وساطة السودان بين الفرقاء أمر مثير للجدل بسبب تضارب المصالح. الكثيرون في جنوب السودان يعتقدون بأن البشير أصلاً لا يريد سلاماً أو إستقراراٌ في بلادهم لأن أفعاله تفضح نواياه. على سبيل المثال، فقد دأب على تسليط الميليشيات التى تتمتع برعايته على الدولة الوليدة  لزعزعة إستقرارها.  كان واضحاً أن الإستحواذ على نفط جنوب السودان قد أصبح هدفاً ملحاً لفك الأزمة الإقتصادية الطاحنة التي تمر بها السودان. لقد تيقن البشير و زمرته من دهاقنة حزب المؤتمر الوطني بأن نفط جنوب السودان هو الأمل الوحيد لمنح النظام فرصة لإلتقاط أنفاسه و كسب المزيد من الوقت لترتيب أوضاع إقتصاده المتهالك. كما أن هناك سبب آخر في غاية الأهمية دفعتهم لإنتزاع دور الوسيط.  فهم يرون أن  قيام السودان بدور في الوساطة هو السبيل لنيل رضا الأمريكان. بالطبع نجاح جهود البشير في الوساطة و بروز نجمه كرمز للسلام و الإستقرار في المنطقة، ستجلب لحكومته الكثير من الفوائد منها علي سبيل المثال لا الحصر، إلغاء كافة العقوبات الإقتصادية و رفع إسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب. ١

 و إنطلاقاٌ من هكذا تصور، إتبع فريقه للوساطة إسلوباً لم يسبق له مثيل في تاريخ محادثات السلام الدولية. و لعل ما أقدم عليه ذلك الفريق يجسد إلى حد كبير مفهوم الميكيافيلية السياسية (الغاية تبرر الوسيلة). فقد تعرض قادة تحالف المعارضة لجنوب السودان لعمليات إبتزاز و ترهيب . و بلغ الأمر حد إجبارهم على توقيع إتفاقية الخرطوم للسلام تحت التهديد. و لكن فات على دهاقنة حزب المؤتمر الوطني أن للأمريكان حسابات أخرى هم في غفلة عنها . و قد تبدى ذلك جلياً بعد عودة وزير خارجية النظام الدكتور الدرديري محمد أحمد من واشنطن بخفي حنين. فلم يتم إزالة إسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب و لم يحدث إنفراج يذكر من زاوية التخفيف من العقوبات الإقتصادية. ١

 و من ناحية أخرى، فإن البشير سبق أن وصم شعب جنوب السودان بأنهم “حشرات”. و في الحقيقة لا يستحضرني هل كان يعني كل شعب جنوب السودان أم الطغمة الحاكمة فقط؟ و مهما يكن الأمر, فإنه من باب أولى أن يقدم الإعتذار لهذا الشعب الأبي و المعطاء قبل أن يدخل خزينة حكومته دولار واحد من عائدات النفط.  ١

لا شك أن نظام البشير بات يترنح من وطأة الضربات المتلاحقة بواسطة التظاهرات الشعبية المتواصلة. و لكن بدون التنسيق بين قوى المعارضة و تكوين جبهة واحدة لقيادة الإنتفاضة الجماهيرية، سيكون الطريق طويلاً و شاقاً و باهظ الثمن لإسقاط النظام. سيل المفارقات لم يتوقف بعد. فالرئيس البشير و الذي نصب نفسه بمعاونة الإيقاد ضامناً للسلام و الإستقرار في جنوب السودان، يبدو للملأ في أمس الحاجة إليهما في بلده. ١

لوتولي لو لوري

المقالات المنشورة على هذا الموقع تُعبر عن آراء كُتابها و بالتالي فإن صحة ما ترد فيها من معلومات أو إدعاءات هي على مسئولية اصحاب المقالات و ليست الموقع.    ١  

الرجاء إرسال المقالات و التحليلات إلى: ١

junubinonline@gmail.com

junubinonline.com