هل السلام على الأبواب بعد توقيع إتفاقية السلام المنشطة؟

أخيراً في أديس أبابا بأثيوبيا، تم إسدال الستار على الفاصل الأخير لمنتدي التنشيط لإتفاقية السلام لجنوب السودان و التي تم التوقيع عليها أصلاً في أغسطس عام ٢٠١٥. لقد شارك في التوقيع النهائي بتاريخ ١٢|٠٩|٢٠١٨ كل من الرئيس سالفا كير، و الدكتور رياك مشار، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة، و السيد قابريال شانقسون،الرئيس المؤقت لتحالف المعارضة في جنوب السودان (سوا)، و دينق ألور ممثلاً لمجموعة المعتقلين السياسيين السابقين، و لفيف من أحزاب الداخل. حفل التوقيع تم برعاية منظمة الإيقاد و في حضور الرئيس الحالي للمنظمة، الرئيس الأثيوبي، الدكتور آبي أحمد. ١

 لقد قوبل توقيع فرقاء النزاع للإتفاق بمزيج من التفاؤل و التشاؤم. و يبدو أن النظرة التشاؤمية كانت لها الغلبة حيث الغالبية العظمى من الشعب ترى أن الإتفاق لم يتناول جذور المشكلة و بالتالي لا يشتمل نصوصها على الحلول الجذرية لمشاكل البلد. و على ضوء ذلك  فإن إحتمال عدم توقف الحرب يظل وارداً رغم دخول الإتفاقية حيز التنفيذ.١  

طبعاً حكومة كير مسرورة  جداً بالإتفاق و التى منحتها كل ما تبتغيها. وزير الإعلام مايكل ماكوي لويث يكاد يطير فرحاً، فقد حصلت حكومته على إعتراف الموقعين على الإتفاق بشرعيتها من دون عناء. و سارع إلى التصريح للإعلام بأن كل فصائل المعارضة قد وقعت على الإتفاق و هو تصريح عار عن الصحة تماماً. فجبهة الخلاص الوطني تبرأت عن الإتفاق و أكدت 

صمودها خلف مطالبتها بالفيدرالية و إلغاء ال٣٢ ولاية إلتزاماً بما ورد في الإتفاقية الأصلية، و محاسبة مرتكبي جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية. ١

 و قبل يومين حملت لنا الأنباء بياناً صادراً من نصف أعضاء (سوا) يشجب توقيع الإتفاقية بدعوى عدم تطرقها لجذور المشكلة و إقتصارها على إرضاء النخب السياسية بالمناصب. البيان حمل توقيعات زعماء جبهة الخلاص الوطني بقيادة الجنرال توماس شيريلو، و مجموعة المعتقلين السياسيين السابقين بقيادة باقان أموم، و الحركة الشعبية الديمقراطية بقيادة الدكتور حكيم داريو، و الحركة الديمقراطية الوطنية موقعاً عنها السفير إمانويل أبان، و التحالف الديمقراطي الجمهوري المتحد بقيادة الدكتور قاتويج ثيج.  ١

                                                                                                                                        و قد أصبح واضحاً أن توقيع (سوا) للإتفاق لم يحظى بالإجماع و الذي هو شرط أساسي حسب ميثاق التحالف. واقع الحال يشير إلى إتجاه الأمور نحو إنشقاق حتمي في التحالف أو بالأحرى فقد وقع الفأس على الرأس بالفعل. و في حقيقة الأمر فإن ما حدث لم يكن مفاجأة بالنسبة للكثير من المراقبين. فهو أصلاً تحالف فضفاض و هش يجمع في داخله الكثير من التناقضات. فقد كان متوقعاً رضوخ هذه الحركات للضغوط في آخر المطاف لأسباب معلومة للجميع. ١

 ليس واضحاً  كيف سيتم البت في موضوع الإسم لأنه لن تستطيع إحدى المجموعتين الإنفراد بملكية إسم (سوا). فهل نحن نقترب من إستخدام  مسميات مثل ( سوا – في المعارضة) و (سوا – في الحكومة) أو غيرها؟ إن الأيام القليلة القادمة حبلى بالكثير من المفاجآت. على ما يبدو فإننا بصدد مشاهدة نزاع على ملكية الإسم بين المجموعتين. فقد أصدرت المجموعة الموقعة على الإتفاق بياناً اليوم متهمة المجموعة الأخرى بالتزوير في إستخدام شعار (سوا). من الواضح أن مجموعة الخرطوم قد فقدت الإتزان و الرزانة و حادت عن جادة الصواب. فشعار (سوا) ليست ملك لها لوحدها إذ يشاركها فيها المجموعة المعارضة للإتفاقية. قيامها بالتوقيع على الإتفاقية بإسم (سوا) هو التزوير بعينه لأن ميثاق التحالف ينص على إتخاذ القرارات بالإجماع.  و من ناحية أخرى و حسب ما ورد بعاليه، فإن  الحركة الديمقراطية الوطنية بقيادة الدكتور لام اكول قد طالها الإنشقاق أيضاً.  يبدو أننا على موعد مع المزيد من الإنشقاقات لصالح المجموعة الرافضة للإتفاقية.  ١

رد فعل المجتمع الدولي لم يصب في خانة تأييد الإتفاقية. لقد أعلنت مجموعة الترويكا و الإتحاد الأوربي عن شكوكها الكبيرة في نجاح تطبيق الإتفاقية في ضوء الخروقات الكثيرة و إستمرار القتال في مناطق عديدة من جنوب السودان. و قد أشار البيان إلى ضرورة الأخذ بعين الإعتبار آراء من رفضوا الإتفاق و الإلتزام بمبدأ إشراك الكل في الحل. و قد بلغ الأمر  بالترويكا إلى حد التهديد بسحب التمويل عن العملية برمتها. ١

 لقد شهدنا في أديس أبابا تخلي بعض قيادات (سوا) تماماً عن المواقف المتفقة عليها سابقاً و التي وردت في عشرة نقاط. من ضمن هذه النقاط، إقصاء سالفا كير و رياك مشار عن الفترة الإنتقالية، و بسط الفيدرالية في بدايتها، و العودة إلى الولايات العشرة، و محاسبة المتورطين في كل أنواع  الجرائم. مما يدعو للحزن أن بعض القيادات الموقعة على الإتفاق قد لجأت إلى اسلوب التضليل حفظاً لماء الوجه و تبريراً لتراجعها عن مواقفها المعلنة سابقاً. ١

 إن الوضع في جنوب السودان أشبه بوضع مريض يعاني من آلام مبرحة نتيجة لورم خبيث. بالطبع يمكن تسكين آلام هذا المريض بطريقة جيدة تجعل حياته شبه طبيعية إلى حين. إنه علاج لأعراض المرض و ليس سبب المرض. لكي يتعافى تماماً من الداء، يجب إستئصال الورم الخبيث. ١

إتفاقية السلام المنشطة هي بمثابة علاج بالمسكنات لأزمة جنوب السودان. ١

د. لاكو جادا كواجوك

المقالات المنشورة على هذا الموقع تُعبر عن آراء كُتابها و بالتالي فإن صحة ما ترد فيها من معلومات أو إدعاءات هي على مسئولية اصحاب المقالات و ليست الموقع.    ١  

الرجاء إرسال المقالات و التحليلات إلى: ١

junubinonline@gmail.com

junubinonline.com